حيدر حب الله
157
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وفي نصّ أكثر دلالة على ذلك ، يقول المفيد في « المسائل السرويّة » : « والذي رواه أبو جعفر رحمة اللّه فليس يجب العلم بجميعه إذا لم يكن ثابتا في الطرق التي تعلّق بها قول الأئمة عليهم السّلام ، إذ هي أخبار آحاد ، لا توجب علما ولا عملا ، وروايتها عمّن يجوز عليه الغلط والسهو ، وإنّما روى أبو جعفر رحمة اللّه ما سمع ، ونقل وحفظ ، ولم يضمن العهدة في ذلك ، وأصحاب الحديث ينقلون الغثّ والسمين ، ولا يقتصرون في النّقل على المعلوم ، وليسوا بأصحاب نظر وتفتيش ، ولا فكر فيما يرونه وتمييز ، فأخبارهم مختلطة ، لا يتميّز منها الصحيح من السقيم إلا بنظر في الأصول ، واعتماد على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحّة المنقول » « 1 » . يدلّنا هذا النص على أن الصدوق - بنظر المفيد - لم يكن يؤمن بكلّ ما رواه من النصوص ، أي أنّه كان جمّاعة ، يجمع الأحاديث ، إلا إذا نصّ في كتاب ما على تبنّيه نصوصه كما هو الحال في « كتاب من لا يحضره الفقيه » كما سيأتي ، إضافة إلى أن المحدّثين - بنظر المفيد - لا يخضعون ما ينقلونه للتمييز ، ولا يعرضونه على الأصول ، أي لا يمارسون نقدا مضمونيا لها ، وإنّما همّهم إمّا جمعها أو صحّة إثباتها الصدوري فحسب ، ولهذا اشتهروا بالمتعلّقين بالأخبار أو أهل الأخبار ، حتى كان للمفيد رسالة مستقلة اسمها : مقابس الأنوار في الردّ على أهل الأخبار « 2 » . إذن ، فالمعركة بين مدرسة العقل ومدرسة الحديث معركة في دائرة المضمون والنقد الداخلي حسبما يبدو لنا في هذه النصوص ، وليست معركة في اعتماد أهل الحديث على أخبار الآحاد وعدم اعتماد مدرسة المفيد والمرتضى كما سيأتي على هذه الأخبار ، ولهذا لم نلاحظ في كتاب « تصحيح الاعتقادات » أيّ نقد للمفيد على الصدوق في هذا الموضوع ، فلم يقل المفيد يوما إنّ الصدوق يعتمد أخبار الآحاد الظنية ونحن نعتمد المتيقّن الصدور المعلوم الثبوت وهذا هو مآل الخلاف بيننا ، بل كان التركيز دائما على إحجام تيار النقل عن نقد المضامين وعرضها على العقل ، وممارسة تأويل فيها ، تماما كالمعركة التي كانت بين مدرسة الاعتزال القائمة على نظرية التأويل المؤسّس على مقولة المجاز وتيار السلفية النصّية في المناخ السني ، وعلى رأسه المذهب الحنبلي ، ولو كان هناك خلاف في مبدأ العمل بأخبار الآحاد لكنّا عثرنا على إشارة في مصنّفات وجهاء مدرسة الكلام تبيّن وجود اختلاف داخلي شيعي حول هذا الموضوع ، نعم يظهر اختلاف بينهم في أنّ هذا الخبر أو ذاك قاطع للعذر أم لا ، وهذا أمر آخر .
--> ( 1 ) - المفيد ، المسائل السرويّة : 72 - 73 . ( 2 ) - النجاشي ، الرجال : 401 ؛ والطهراني ، الذريعة 21 : 375 .